الشيخ حسن المصطفوي

240

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

ويشتق منه انتزاعا أو قياسا مشتقّات ، فيقال عنق عنقا : إذا طال عنقه ، فهو أعنق . وعنّقه : أخذه بعنقه ، وعانقه معانقة وعناقا : جعل يديه على عنقه وضمّه إلى صدره . وتعانقا : حصل لهما المعانقة - فانّ التفاعل لمطاوعة فاعل . واعتنقه : أخذه ولزمه واختار أخذ العنق - فانّ الافتعال يدلّ على الاختيار . * ( إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا ) * - 36 / 8 . * ( وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * - 34 / 33 . * ( إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ) * - 40 / 71 . الغلّ إذا يقيّد به العنق يكون أشدّ تأثيرا في جهة المحدوديّة والتقيّد والمحروميّة عن الحركة والعمل ، ولا سيّما إذا كان التقيّة بالأغلال المتعدّدة ، فهذه الحالة اشدّ صورة من التقيّد . والأشدّ منها إذا كان التقيّد روحانيّا . والأغلال متحصّلة من الاعتقادات والأفكار الباطلة والأخلاق والصفات الرذيلة والاعمال الفاسدة الظلمانيّة من النفس ، وهذه الأمور تصير على صور مظلمة موحشة تحيط على أعناق هؤلاء المخالفين المتمرّدين . وبعبارة أخرى : هذه الأغلال تنتزع من التعلَّقات الدنيويّة المادّيّة للنفس ، بأىّ تعلَّق كان ، فتصير أغلالا في الأعناق . وأمّا الأعناق : فالعنق مظهر التشخّص والتجبّر إذا علا وارتفع ، كما أنّ انخفاضه يدلّ على الخضوع والتواضع . وهذا وجه آخر لتعلَّق الأغلال بالأعناق دون سائر الأعضاء ، فانّ النظر إلى انكسار صولة التجبّر والتشخّص الموهومة . * ( فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) * - 24 / 4 . فالنظر إليهم بعنوان الأعناق ، أي بلحاظ كونهم متشخّصين متجبّرين وذوى أعناق مرتفعة ، فالأعناق ملحوظة بعنوان المرآتيّة للأشخاص وكونها وجهة لهم ، لا بعنوان الموضوعيّة وكونها ملحوظة بنفسها ، وعلى هذا ذكرت كلمة خاضعين بصيغة الجمع للعقلاء .